عبد الملك الجويني
93
نهاية المطلب في دراية المذهب
739 - فأما القسم الثاني - وهو إذا عَسُر دَرَكُ اليقين ، ففيه تفصيل القول في الاجتهاد : فإذا كان الرجل في سفره ، وتعذر عليه مدرَك اليقين ، فأول ما خاض فيه الخائضون ذكرُ أدلة القبلة ، ولست أخوض فيه ؛ فإن استقصاء القول فيه يطول ، وقد ألف ذوو البصائر فيه كتباً ، وشرْطُ هذا الكتاب إذا فرض فيه أمر ، أن ينتهي إلى غايته ، فلتُطلب أدلة القبلة من كتبها . وذكر الصيدلاني منها مهابّ الرياح ، وهذا بعيد عندي جدّاً ؛ فإن الرياح لا معوّل عليها ، والتفافها في مهابّها أكثر من استدادها ، ثم لا يتأتى التمييز فيها . 740 - ومما نذكره في هذا الفصل : أن من يسافر هل يتعين ( 1 عليه أن يتعلم من أدلة القبلة ما يستقبل به ، وهل يلتحق هذا بما يتعين 1 ) على المكلف تعلمه ؟ ذكر بعض المصنفين فيه اختلافاً ، وهو لعمري محتمل ، فيجوز أن يقال : يجبُ ؛ كما يجب تعلم أركان الصلاة وشرائطها ، ويجوز أن يقال : لا يجب ؛ فإن التباس جهة القبلة مما يندر ، وإنما يتعين على كل مكلف تعلم ما يعمّ مسيس الحاجة إليه . 741 - ثم إنما يجتهد البصير ، فأما الأعمى ، فلا شك أنه لا يتأتى منه الاجتهاد ، وليس له إلا التقليد . ومن لا يعرف الأدلة ، ولم نوجب عليه التعلم ، فإنه يقلّد أيضاً . 742 - والعالم بالأدلة لا يقلد عالماً ؛ إذا كان متمكناً من الاجتهاد . وإن التبست عليه الأدلة ، وعسر عليه الاجتهاد ، فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال : " ومن خفيت عليه الدلائل : فهو كالأعمى " ( 2 ) . وعلى الجملة : اختلف أئمتنا في أنه إذا تعذر على العالم النظر ، ولم يعسر على عالم آخر ، فهل يقلّد من خفيت عليه الدلائل من لم يخْفَ عليه ؟ فمنهم من قال : يقلّد ؛ لأنه في حالته كالأعمى الذي لا يتمكن من النظر .
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من : ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) . ( 2 ) ر . المختصر : 1 / 65 .